الشيخ محمد الصادقي
375
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ - : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ( 11 : 13 ) أو « بِسُورَةٍ مِثْلِهِ » ( 10 : 38 ) وأقلها ثلاث آيات كالكوثر ، فكيف بالقرآن كله : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » ( 17 : 88 ) . « لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ » ، لا صدفة أو لعدم المحاولة ، وانما الاستحالة « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ » ( 2 : 24 ) . ان في القرآن سرا إلهيا يدركه كل من يواجه نصوصه بصفاء ورواع ، متحللا عن سلطان التعصب ، ثم يزيده مهما زاد تعمقه وتأنقه ، ميزة في سبك الألفاظ وسكب العبارات وحتى في موسيقاها ، فضلا عن معانيها وملامحها التي تأخذ من القلوب شغافها ، ومن الألباب أعماقها ، ومن الحواس ألبابها . وهو يخاطب العقول والفطر بأسلوب لا يعهد بين البشر « 1 » : فلو كان هذا القرآن من مفتر شاعر كاهن مجنون فأتوا أنتم العقلاء وفيكم الشعراء البلغاء ، والكهنة الأذكياء ، والأدباء الأقوياء فأتوا بمثله ولماذا لا تأتون ! وإذ أنتم عاجزون صاغرون ، فلما ذا لا تؤمنون ؟ « فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ » ( 7 : 185 ) « فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » ( 68 : 44 ) . ومن ثم لم يبق مناص الا الإيمان به ، أو تكذيبه ككلام اللّه ، فالتكذيب باللّه ، أو نكران توحيد اللّه أو وجوده ، وإذا كان هذا دائكم فإليكم دوائكم :
--> ( 1 ) . راجع بحث الاعجاز في سورة البقرة تجد فيها قولا فصلا عن اعجاز القرآن ، وكذلك سورة الإسراء .